الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
289
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عَلَيْهِمْ التفات بل المقام لضمير الغيبة . والصحاف : جمع صحفة ، وهي : إناء مستدير واسع الفم ينتهي أسفله بما يقارب التكوير . والصحفة : إناء لوضع الطعام أو الفاكهة مثل صحاف الفغفوري الصيني تسع شبع خمسة ، وهي دون القصعة التي تسع شبع عشرة . وقد ورد أن عمر بن الخطاب اتخذ صحافا على عدد أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلّم فلا يؤتى إليه بفاكهة أو طرفة إلا أرسل إليهن منها في تلك الصحاف . والأكواب : جمع كوب بضم الكاف وهو إناء للشراب من ماء أو خمر مستطيل الشكل له عنق قصير في أعلى ذلك العنق فمه وهو مصبّ ما فيه ، وفمه أضيق من جوفه ، والأكثر أن لا تكون له عروة يمسك منها فيمسك بوضع اليد على عنقه ، وقد تكون له عروة قصيرة ، وهو أصغر من الإبريق إلا أنه لا خرطوم له ولا عروة في الغالب . وأما الإبريق فله عروة وخرطوم . وحذف وصف الأكواب لدلالة وصف صحاف عليه ، أي وأكواب من ذهب . وهذه الأكواب تكون للماء وتكون للخمر . وجملة وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ إلخ حال من الْجَنَّةَ ، هي من بقية القول . وضمير فِيها عائد إلى الْجَنَّةُ ، وقد عمّ قوله : ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ كلّ ما تتعلق الشهوات النفسية بنواله وتحصيله ، واللّه يخلق في أهل الجنة الشهوات اللائقة بعالم الخلود والسمو . و تَلَذُّ مضارع لذّ بوزن علم : إذا أحسّ لذة ، وحق فعله أن يكون قاصرا فيعدّى إلى الشيء الذي به اللّذة بالباء فيقال : لذ به ، وكثر حذف الباء وإيصال الفعل إلى المجرور بنفسه فينتصب على نزع الخافض ، وكثر ذلك في الكلام حتى صار الفعل بمنزلة المتعدي فقالوا : لذّه . ومنه قوله هنا : وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ التقدير ، وتلذّه الأعين . والضمير المحذوف هو رابط الصلة بالموصول . ولذة الأعين في رؤية الأشكال الحسنة والألوان التي تنشرح لها النفس ، فلذّة الأعين وسيلة للذة النفوس فعطف وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ على ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ عطف ما بينه وبين المعطوف عليه عموم وخصوص ، فقد تشتهي الأنفس ما لا تراه الأعين كالمحادثة مع الأصحاب وسماع الأصوات الحسنة والموسيقى . وقد تبصر الأعين ما لم تسبق للنفس شهوة رؤيته أو ما اشتهت النفس طعمه أو سمعه فيؤتى به في